الفصل الأول: قاعدة جديدة

كان المساء يزحف ببطء نحو الظلام في غرفة المعيشة. هنا جالسة على الأرض، ظهرها مستند إلى حافة الأريكة، والكتاب مفتوح على حجرها. كانت تحاول القراءة حقاً، لكن الكلمات كانت تتداخل أمام عينيها. كانت تعرف أنه هناك، على الأريكة خلفها، يراقبها. لم تلتفت إليه. ستواصل القراءة وكأنه غير موجود، وكأن هذا المنزل لا يزال منزلها هي.

سمعت حركة طفيفة خلفها. تنفسه تغير، أو ربما فقط ميل في جسده على الأريكة. كانت الصفحة التي تقرأها لا معنى لها الآن. أحرف مطبوعة تصطف وتتفرق دون أن تشكل جملة واحدة مفهومة في رأسها. وضعت إصبعها على السطر الذي توقفت عنده، متظاهرة أنها لا تزال منغمسة في القراءة.

صوته جاء من خلفها، هادئاً إلى حد يثير القشعريرة.

"من اليوم، كل شيء تحت إذني. حتى دخول الحمام."

توقفت أنفاسها للحظة. الكلمات استقرت في صدرها كحجر بارد. تظاهرت أنها لم تسمع، أو ربما تنتظر أن يسحبها، لكنه لم يعد. كان صامتاً، ينتظر.

أغلقت الكتاب بقوة. الصوت ارتد من جدران الغرفة، أعلى مما توقعت. وقفت على قدميها، الكتاب لا يزال في يدها المشدودة، واستدارت لمواجهته. رأته جالساً على الأريكة، ساقاه متقاطعتان، يداه تستندان على مسند الذراعين، وجهه هادئ مثل بحيرة ساكنة. كان يحدق بها مباشرة.

ضربت بكفها على الطاولة بينهما. الطاولة اهتزت، وكأس الماء الصغير كاد يسقط.

"هذه حياتي، لست عبدتك!"

كان صوتها عالياً، أكثر مما توقعت. شعرت بأنه يخرج من حنجرتها بقوة لم تكن تعرف أنها تملكها. وقفت هناك، تتنفس بصعوبة، تراقب وجهه لترى أي رد فعل. أي شيء. غضب، صدمة، حتى ابتسامة ساخرة.

لم يتغير شيء في وجهه. كان لا يزال هادئاً، باراً كتمثال. نهض ببطء من الأريكة، حركاته محسوبة ومتعمدة. لم يرفع صوته، لم يضرب، لم يفعل أي شيء مما كانت تتوقعه. فقط سار نحوها بخطوات ثابتة.

رفع يده، مشيراً بإصبعه نحو باب غرفتها. الإشارة كانت واضحة. "اذهبي إلى غرفتك." لم يقلها، لكن عينيه قالتا ذلك. وكان هناك شيء في نظراته جعلها تتردد. ليس خوفاً، بل إحساس بأنها إن أطاعته الآن، فقد فقدت شيئاً أكبر بكثير من هذه المعركة.

بقيت مكانها. رفعت ذقنها قليلاً، تحاول أن تظهر أطول مما هي عليه. لن تذهب. هذا منزلها. هي التي ترعرعت هنا. هو ليس إلا وصياً، وليس سجّاناً.

لكنه تقدّم خطوة أخرى نحوها، ولم تتراجع. ثم مدّ يده فجأة، أسرع مما توقعت، وأمسك بكوعها. أصابعه ضغطت على العظم بقوة لم تكن تتخيلها. كانت على وشك الصراخ عندما سحبها بقوة نحو الممر.

حاولت أن تشد يدها بعيداً، لكن قبضته كانت حديدية. كلما قاومت، زاد ضغط أصابعه على كوعها حتى شعرت بألم حاد يخترق ذراعها كله. جرّها عبر الممر، خطواتها غير متزنة، كادت تتعثر مرتين. كانت تتمنى لو أن أحداً يسمع، لكن المنزل كان فارغاً. فارغاً مثله.

وصل إلى باب غرفتها، فتحه بيده الحرة، ثم دفعها إلى الداخل بقوة جعلتها ترتطم بحافة السرير. كادت تسقط، لكنها تمكنت من التوازن في اللحظة الأخيرة. استدارت لمواجهته، تتنفس بصعوبة، تريد أن تصرخ، تريد أن تشتمه، تريد أن تفعل أي شيء.

لكن باب الغرفة أُغلق في وجهها. سمعت صوته من الخارج، مكتوماً كأنه يأتي من بعيد جداً.

"لا عشاء الليلة. ستفكرين في أفعالك."

وقفت هناك، تحدق في الباب المغلق، ذراعها تؤلمها من قبضته، وكتابها لا يزال في يدها الأخرى. لم تدرك أنها لا تزال ممسكة به طوال الوقت. نظرت إليه، إلى الغلاف البالي، ثم إلى الباب مرة أخرى.

نعم، ستفكر في أفعالها. لكن ليس بالطريقة التي يتوقعها.

ثوانٍ فقط مرت وهي تقف هناك، تحدق في الباب الخشبي الذي فصلها عن الممر. سمعت صوت خطواته تبتعد، ثم توقف. عاد. ثلاثة قرعات بقبضته على الباب جعلتها تنتفض.

"لا عشاء الليلة. ستفكرين في أفعالك."

صوته جاء مكتوماً، لكنه كان واضحاً كالشمس في سماء صافية. لم ترد. فقط بقيت صامتة، تسمع خطواته تبتعد مرة أخرى، هذه المرة للأبد. أو هكذا بدا.

ألقت الكتاب على السرير. جست على حافته، تنظر إلى النافذة المغطاة بستارة رقيقة. كان الظلام قد حل بالكامل خارجاً. المنزل هادئ، هادئ جداً، لدرجة أنها كانت تسمع دقات قلبها في أذنيها. رفعت يدها إلى كوعها حيث ضغط أصابعه. كانت المنطقة تؤلمها، لكن الكدمة لم تظهر بعد. ربما لن تظهر.

جلست طويلاً، لا تعرف كم من الوقت. كانت تحاول ألا تفكر فيه، لكنه كان في كل شيء. في صرير الأرضية الخشبية خارج الغرفة. في الظل الذي يتحرك تحت الباب عندما يمر. في الصمت الذي أعقب كل حركة له.

ثم بدأت الأصوات تأتي من المطبخ. أطباق تتلامس، ماء يجري، صوت مقلاة توضع على النار. كانت الساعة الثامنة أو التاسعة مساءً، ليس متأخراً بعد. شمّت رائحة الزيت الساخن، ثم البصل المقلي، ثم شيئاً آخر- ربما دجاج أو لحم. معدتها انقبضت فجأة، ألم حاد جعلها تنحني قليلاً. لم تكن قد أكلت منذ الصباح. كانت مشغولة جداً بالقراءة، أو ربما بالقلق، لدرجة أنها نسيت الغداء.

اقتربت من الباب. وضعت أذنها على الخشب البارد. سمعت حركة خفيفة، ثم صوت التلفاز يُفتح. كان يضع الطبق على الطاولة الآن، ربما، ويجلس ليأكل. وهي هنا، في غرفتها، جائعة.

عادت إلى السرير. حاولت التفكير في أي شيء آخر. في الكتاب الذي كانت تقرأه. في الرواية التي لم تكملها. لكن المعدة كانت تتحدث بصوت أعلى من أي قصة. تقلصت مرة أخرى، وأخرى، حتى شعرت بالغثيان تقريباً. عضّت على شفتيها.

مرت ساعات. سمعت التلفاز يُطفأ بعد فترة. سمعت خطواته تتجه إلى الحمام، ثم صوت الماء، ثم خطواته عائدة إلى غرفته. صرير باب غرفته. ثم الصمت.

الصمت الكامل.

انتظرت طويلاً. عشر دقائق. عشرين. ربما ساعة. كانت تنظر إلى السقف، تعد نبضات قلبها، تحاول أن تخمن الوقت. متى ينام حقاً؟ متى يكون آمناً أن تتحرك؟

حسناً، هي لن تموت جوعاً في هذه الغرفة. ليس الليلة.

وقفت ببطء، واقتربت من الباب. وضعت يدها على المقبض المعدني البارد. ضغطت عليه ببطء شديد، مليمتراً مليمتراً، حتى شعرت باللسان يتحرك داخل الإطار. سحبت الباب نحونا، شبراً واحداً، وتوقفت. لا صوت. أطلت من الشق، رأت الممر مظلماً تماماً.

فتحت الباب أكثر، بما يكفي لتمر من خلاله. خطت خطوة إلى الممر، حافية القدمين، والأرضية الباردة تحت أخمص قدميها جعلتها ترتعش. الممر طويل ومظلم، لكنها تعرفه عن ظهر قلب. كل لوح خشب، كل زاوية، كل مكان يصر.

تسللت على أطراف أصابعها، متجنبة اللوح الذي يصدر صريراً بالقرب من باب غرفة النوم. سمعت نفساً عميقاً من داخل غرفته. كان نائماً. أو هكذا بدا.

واصلت السير حتى وصلت إلى المطبخ. كان مظلماً أيضاً، لكن ضوء القمر يتسلل من النافذة فوق الحوض، ملقياً ظلالاً فضية على البلاط. توقفت عند المدخل، نظرت حولها. لا شيء يتحرك.

توجهت إلى الثلاجة بخطوات سريعة لكن هادئة. فتحت الباب. ضوء أبيض بارد تطاير على وجهها، جعلها تحدق للحظة. الهواء البارد ضرب جلدها، ورائحة الطعام أتت كالصفعة. معدتها تقلصت بشدة، ألماً واضحاً هذه المرة.

مدت يدها إلى الرف، حيث رغيف الخبز. أمسكت بقطعة من الحافة، وسحبتها ببطء. أغلقت باب الثلاجة بحذر شديد، حتى أن صوت المزلاج لم يُسمع تقريباً.

استدارت.

واقفاً عند مدخل المطبخ، ذراعاه متقاطعتان، عيناه مثبتتان عليها.

الخبز في يدها. الهواء البارد من الثلاجة يتلاشى خلفها. وهو هناك، يقف عند المدخل، لا يتحرك، لا يتكلم. ذراعاه متقاطعتان على صدره، وعيناه مثبتتان عليها كأنهما مسمرتان بوجهها.

لم تكن تتوقع رؤيته. ظنت أنه نائم. ظنت أنها سمعت صوت تنفسه العميق من داخل غرفته. لكنه هنا، واقف، وربما كان هنا طوال الوقت يراقبها من الظل.

خطا خطوة نحوها. الأرضية الخشبية صرَت تحت قدميه. مدّ يده، يستهدف قطعة الخبز التي في يدها. طلب صامت، أو أمر صامت. لم تكن متأكدة.

لكنها شدّت يدها إلى صدرها. ضمّت الخبز إلى قميصها كأنها تحمي شيئاً ثميناً. لم تتراجع خطوة إلى الخلف. لم تنظر بعيداً. بقيت مكانها، رغم أن قلبها كان يخفق بقوة داخل صدرها.

توقف على بعد ذراع منها. بالضبط. المسافة التي تفصل بينهما كانت كافية ليمد يده ويمسك بها لو أراد. لكنه لم يفعل. فقط وقف هناك، يحدق بها. لا شيء في وجهه. لا غضب، لا سخرية، لا حتى فضول. فراغ تام، كأنه يقرأ شيئاً مكتوباً على جبهتها.

الهواء بينهما تجمّد. لم يعد هناك نسيم بارد من الثلاجة، ولا دفء المطبخ. فقط شيء كثيف، ثقيل، يملأ الفراغ بين جسديهما.

رفعت عينيها إليه. نظراتها التقت بنظراته. كان أطول منها، لكنها لم تشعر بالصغر الآن. شيء مختلف كان يحدث. فتحت فمها، ببطء، ورفعت الخبز إلى شفتيها.

قضمت قضمة.

بطيئة. واضحة. صوت الخبز يتكسر بين أسنانها كان أعلى مما ينبغي في صمت المطبخ. مضغتها، والخبز يمتص الرطوبة من فمها الجاف، وابتلعت. كل هذا وهي لا تزال تحدق فيه، لا ترمش، لا تتراجع.

توقف هو. كانت تعتقد أنه سيمسك بها. أنه سيأخذ الخبز منها بالقوة. أنه سيعاقبها على هذا التحدي الصغير. لكنه لم يفعل. فقط ظل واقفاً هناك، ينظر إليها، وربما شيء تغير في عينيه للحظة خاطفة. إعجاب؟ دهشة؟ غضب مكبوت؟ لم تستطع أن تحدد.

أكملت مضغ القطعة. البلع كان أصعب هذه المرة. الخبز الجاف كاد يخنقها، لكنها لم تُظهر ذلك. فقط ابتلعت، ورفعت الخبز مرة أخرى لفمها، تستعد لقضمة ثانية.

عندها فقط تحرك. ولكن ليس نحوها. التفت جانباً، ببطء، وخرج من المطبخ. لم يقل كلمة. لم ينظر إليها مرة أخرى. فقط اختفى في ظلام الممر، وسمعت باب غرفته يُغلق بعد ثوانٍ.

وقفت هناك، قطعة الخبز لا تزال في يدها، ورجفة صغيرة بدأت في يديها. استدارت نحو حوض المطبخ، أمسكت بالحافة الباردة، واستمرت في المضغ.

كانت تأكل. والخبز لم يطعم جوعها فقط، بل شيئاً آخر أيضاً. شيئاً بدأ ينمو في صدرها منذ تلك اللحظة التي قاومته فيها.

لن تموت جوعاً في هذا البيت. ولن تموت خوفاً أيضاً.

Comments (0)

No comments yet. Be the first to share your thoughts!

Sign In

Please sign in to continue.